بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد ربيع سنة 2023 وجد الجيش الأوكراني أن لا جدوى من نطح الصخرة التي أقامتها روسيا على جبهته الجنوبية، فقد عززت هذه الأخيرة دفاعات مُحكمة ومكثَّفَة، ولم تترك أية ثغرات، واختار الجيش الأوكراني أن يوجِّه قواته للهجوم البري على أرض روسية للمرة الأولى، واختار منطقة كورسك التي دارت فيها واحدة من أهم معارك الحرب العالمية الثانية. نجحت خطة الخداع الأوكرانية، فتدفقت القوات الأوكرانية سريعاً في كورسك، ويبدو أن الجيش الروسي لم يتصور أن يكون الهجوم الأوكراني هجوماً استراتيجياً، وإنما ظنه مشاغلةً لن تطول، لكنه أدرك حقيقته بعدها، فالقوات الأوكرانية المُهاجمة كبيرة، وتقدُّمها مستمر، كما أن الجانب الأوكراني بدأ يفصح عن غاياته بالسيطرة على أراض روسية والاحتفاظ بها. تهدف الاستراتيجية الأوكرانية إلى انتزاع زمام المبادرة من الجيش الروسي، وفرض جبهة جديدة عليه، بحيث لا تكون حظيت بالتحصين المكثَّف الذي انصبَّ على الجبهات الأخرى، وتأمل أوكرانيا في أن يؤدي الهجوم في أحسن الأحوال إلى اتفاق سلام تنسحب فيه أوكرانيا من روسيا مقابل انسحاب روسيا من بعض الأراضي الأوكرانية المحتلة أو تحسين موقفها التفاوضي على أقل تقدير. تذكِّرنا هذه العملية بالهجوم الإيراني على شبه جزيرة الفاو سنة 1986 عندما شنَّت القوات الإيرانية هجوماً متعدد المحاور لتشتيت القوات العراقية، ولم يكتشف الجنرالات العراقيون أن الفاو هي محور المجهود الرئيس إلا بعد فوات الأوان، فزجّوا بقوات ضخمة لاستعادتها دون تنظيم وإعداد كافٍ، فلاقت الهزيمة تلو الهزيمة، على أيدي القوات الإيرانية التي لم تضيِّع الوقت وحصَّنت مواقعها على أحسن وجه، وشن إعلامها حرباً نفسية على العراق يتحداه أن يستعيد الفاو؛ لعلمهم بحصانة مواقعهم، وكي يلقي العراق بقواته إلى التهلكة، ولم تتوقف المعركة إلا بعد 37 يوماً بعد أن تكبَّد العراق خسائر فادحة، وسنة 1988 أعدَّ الجيش العراقي خطة مخادعة محكمة؛ ليعتقد الإيرانيون أن الهجوم العراقي المزمع سيقع شمالاً، ثم كان الهجوم العراقي العاصف جيد التجهيز والتخطيط، وانتهى باستعادة الفاو في غضون أقل من 48 ساعة. الموقف الحالي بعد معركة كورسك: يبدو أن القيادة الروسية لم تقع في الفخ الذي نصبه زيلنسكي لها، وواجهت الهجوم بحرفية عسكرية دون الأخذ بالاعتبارات السياسية أو الإعلامية، وهذا يعني أن القيادة الروسية نحَّت عنها الكبرياء وأوهام القوة التي كلَّفتها كثيراً خلال شهور الحرب الأولى، وباتت أكثر واقعية وتعالج الحرب من وجهة النظر العسكرية البحتة، فلم يخض الجيش الروسي معركة كبيرة لمواجهة التقدم الأوكراني المخطط جيداً، وإنما اختار إقامة خطوط دفاعية تستند إلى الأنهار التي تشكل مانعاً طبيعياً، وركَّز عملياته في منطقة دونباس فتقدم فيها تقدماً كبيراً نسبياً، وبات يهدد مدناً أوكرانية جديدة لم تكن في دائرة الخطر من قبل. يُتوقَّع أن يتوقف الجيش الأوكراني عند حدود الأنهار المحيطة بكورسك ثم يتحول إلى تحصين المنطقة وإنشاء الخطوط الدفاعية؛ لتكون ورقة مساومة قوية بيد أوكرانيا لمبادلة أرض أوكرانية بأخرى روسية، وسيحاول قطع النَّفَس الروسي الطويل عبر مهاجمة البنية التحتية الروسية الداعمة للجيش من: منشآت طاقة ومنشآت صناعية وخصوصاً المصنِّعة للسلاح والذخيرة. أما الجيش الروسي فيأمل بتحويل هذه الأزمة إلى فرصة عبر استغلال تحوُّل جزء غير يسير من القوات الأوكرانية إلى جبهة كورسك وبالتالي غيابها عن الجبهة الرئيسة، والقيام بقفزات ضفدع متتالية -تكتيك قفزات الضفدع يعني تكثيف القوات والنيران في منطقة محدودة، ثم التقدم المحدود، والمسارعة إلى التحصين وبناء خطوط الدفاع استعداداً للقفزة التالية- وقد يؤدي هذا إلى انسحاب الأوكرانيين من كورسك لتعزيز القوات على الجبهة الجنوبية والشرقية (دونباس) دون أي تنازل من جانب روسيا. ويبقى الصراع الأساس على انتزاع زمام المبادرة – أي فرض مكان وزمان المعركة على العدو، لذا قد يحاول الجيش الأوكراني التوغل في الأراضي الروسية انطلاقاً من كورسك مستغلاً الضوء الأخضر الأمريكي الخافت لاستخدام السلاح الغربي المتطور على الأرض الروسية، وأن هذه المناطق غير محصَّنَة مسبقاً، لكن مثل هذا التقدم محفوف بالمخاطر نظراً للتفوق العددي والكمي الروسي، ولما سيترتب عليه من إطالة خطوط الإمداد، والاضطرار لاحتلال مناطق مدنية. للهجوم الأوكراني على منطقة كورسك الروسية غايات عديدة: من الناحية السياسية: تهدف القيادة الأوكرانية لكسر الخطوط الروسية الحمراء التي التزم بها الغرب وألزم بها أوكرانيا، فربط مدى دعمه العسكري بالتزامه بها، وعلى رأس هذه الخطوط الامتناع عن مهاجمة الأراضي الروسية، ما منح الروس ميزة تحديد جبهات القتال، وحصرها في أرض العدو، وتدرجت العواصم الغربية في ردها على الهجوم الأوكراني من نفي علمها بالتخطيط له وتسجيل اعتراضها عليه إلى الموافقة على الاستخدام المحدود للسلاح الغربي على الأراضي الروسية، ما يعني أن الهدف الأوكراني السياسي تحقق مبدئياً. كما يهدف الهجوم للاحتفاظ بأرض روسية تمثل الورقة الرابحة بيد المفاوض الأوكراني في حال توقف القتال مع قدوم الشتاء، أو تغيرت الإدارة الأمريكية بعد الانتخابات ما يتيح للمفاوض الأوكراني عند توقف القتال رفع شعار: “كامل الأراضي الأوكرانية مقابل كامل الأراضي الروسية”. من الناحية العسكرية: تتمثل بتوجيه ضربة عسكرية في منطقة رخوة غير متوقعة خلافاً للجبهات المشتعلة منذ 2022 التي نالت نصيباً كبيراً من التحصين والإعداد وحشد القوات. من الناحية المعنوية: تريد القيادة الأوكرانية رفع المعنويات في صفوف جيشها وشعبها عبر تحقيق نصر سريع بعد سلسلة من حالات الفشل في الهجوم المضاد ربيع سنة 2023، والتقدم الروسي البطيء في دونباس. وأمام انتزاع كييف زمام المبادرة وفرضها معركة جديدة لا بد لموسكو من خوضها، تتنوع خيارات الروس بين: 1- الاستمرار في اعتبار دونباس -التي حققت فيها مكاسب ملحوظة مؤخراً- محورَ المجهود الرئيسي مع التركيز على كورسك كجهد ثانوي، وهذا يعني أن روسيا ستركز على الاستيلاء على المدن الأوكرانية الرئيسية في دونباس الأمر الذي من شأنه أن يعرض النظام الدفاعي الأوكراني للخطر وربما سحب القوات الأوكرانية من كورسك لاحقاً. 2- التركيز على الجبهتين بنفس القدر وهذا الخيار صعب التطبيق عملياً، ويحمل مخاطر كبيرة، نظراً لانتشار كامل القوات الروسية تقريباً، ونظراً لما تكبَّدته من خسائر فادحة في العتاد والسلاح والبشر. 3- اعتبار كورسك الجهد العسكري الرئيسي في الحرب، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تحول كبير في القوات الروسية من روسيا وأوكرانيا لإغلاق غزو كورسك ودفع الأوكرانيين إلى العودة إلى أوكرانيا، وهو أمر مستبعد حتى الآن ولم تُقدِمْ روسيا عليه رغم التقدم الأوكراني في كورسك. 4- الخيار الأقرب للتوقع هو أن تستمر روسيا في التقدم عبر دونباس والسيطرة على مدينة بوكرفسك الاستراتيجية، ثم التحول لكورسك وطرد القوات الأوكرانية منها. يبدو أن الوضع الحالي غير مسبوق إلى حد ما، فكلا الجانبين يخوضان الآن حملتين رئيسيتين متزامنتين تستهلكان كميات كبيرة من القوى البشرية والعسكرية، ومن المحتمل أن يضطر أحد الجانبين إلى اتخاذ خيار صعب بشأن أولوياته كما أن الاعتبارات السياسية الخارجية لأوكرانيا والاعتبارات المحلية الداخلية لبوتين ستلعب دوراً مهماً بالتأكيد في تحديد هذه الأولوليات.
Related Posts
كيف اخترق جواسيس إسرائيل حزب الله؟
فايننشال تايمز: كيف اخترق جواسيس إسرائيل حزب الله؟ – بعد حرب 2006، حولت إسرائيل تركيزها إلى جمع معلومات…
لمحة عن المسار السياسي لآل سعود في الدولة الثالثة
يقدم البحث لمحةً عن الدولة السعودية الأولى والثانية، غير أنه يركز بالأساس على نشأة الدولة السعودية الثالثة على…
مقارنة سياسة ترامب وهاريس في الشرق الأوسط
مقارنة سياسة ترامب وهاريس في الشرق الأوسط ترجمة عن معهد الشرق الأوسط (25 أكتوبر 2024) 1- سوريا هاريس:…