“ستختفي أوروبا تدريجياً إذا لم تتعاون مع روسيا”، بمثل هذا التصريح الصادر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تعيش دول أوروبا اليوم أجواءً أشبه ما تكون بتلك التي سبقت الحرب العالمية الثانية، بينما تشهد سماؤها منذ أسابيع تحليق طائرات مسيرة مجهولة المصدر لا يُستبعد أن تكون روسية.
لكن ما يقلقها أكثر هو جنوح السياسة الأمريكية نحو التخلي عن التزاماتها الدفاعية ضمن حلف الناتو، إذ كشفت إدارة الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر\ كانون الأول 2025 عن استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي مثلت تحولاً جوهرياً في سياسة واشنطن الخارجية تحت شعار “أمريكا أولاً”.
مثلت هذه الاستراتيجية تبايناً كبيراً بين السياسة الأمريكية الجديدة ومصالح أوروبا ومخاوفها، فمع انتقادها السياسات الداخلية للدول الأوروبية، طلبت منها صراحة تحمل المسؤولية الأكبر في إدارة مشاكلها والتهديدات المحيطة بها والدفاع عن نفسها ودفع تكاليف كل ذلك، ما أثار تساؤلات حول إمكانية خوض حرب ضد روسيا بدون الولايات المتحدة فيما لو انسحبت من حلف الناتو.
ورغم أن قرار الانسحاب من الناتو يتطلب من ترامب الحصول على أغلبية في مجلس الشيوخ، إلا أن الإجراءات التي تتخذها إدارته وتصريحات مقربين منه تشي بتوجه نحو تقليص الحضور الأمريكي في المعادلة الأمنية لأوروبا. فخلال حديثه مع مجموعة الاتصال الدفاعية الأوكرانية في فبراير\ شباط 2025، صرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن الولايات المتحدة “ستُعطي الأولوية لتمكين أوروبا من تحمّل مسؤولية أمنها”، تزامن ذلك مع تعليق المساعدات العسكرية الحيوية لأوكرانيا وحجب معلومات استخباراتية استراتيجية عنها، وصولاً إلى تقديم تنازلات كبيرة في المفاوضات مع روسيا للوصول إلى وقف إطلاق النار.
وقد أدرك قادة أوروبا نقطة التحول هذه، حيث أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على ضرورة سعي أوروبا إلى تعزيز استقلالها عن الولايات المتحدة، كما وافق البوندستاغ الألماني في مارس\ آذار 2025 على رفع “كبح الدَّين” الدستوري عن الإنفاق الدفاعي، مما يمهّد الطريق لزيادات كبيرة محتملة في استثمارات الدفاع في البلاد. وفي السياق ذاته، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن فرنسا ستطلق حواراً استراتيجياً بشأن توسيع نطاق مظلّتها النووية لتشمل “الحلفاء الأوروبيين”.
رغم الخسائر الكبيرة: الخطر الروسي قائم
صحيح أن خسائر الجيش الروسي في أوكرانيا كبيرة ومستمرة في ظل حرب الاستنزاف هناك، لكن موسكو بقدراتها البشرية والاقتصادية الذاتية قادرة على ترميم قوتها سريعاً.
ولذلك، بقيت روسيا التهديد العسكري الرئيسي لأراضي حلف الناتو، كما ورد في المفهوم الاستراتيجي للحلف الصادر عام 2022. وترى الاستخبارات الدنماركية أن موسكو ستكون قادرة في غضون خمس سنوات على شن حرب واسعة النطاق في أوروبا، بينما يقدّر أكثر المتفائلين، رئيس أركان الدفاع البريطاني الأدميرال توني رادكين، أن بوتين سيحتاج إلى خمس سنوات لإعادة بناء الجيش الروسي إلى مستواه قبل الحرب، وخمس سنوات أخرى لاستدراك نقاط الضعف التي تكشّفت في المعارك.
وفي السياق ذاته، نجد أن إجمالي الإنفاق العسكري الروسي ارتفع بنسبة 41.9% بين عامي 2023 و2024، متجاوزاً بذلك معدل نمو الإنفاق الدفاعي في أوروبا، حتى أنه بلغ في عام 2024 نحو 145.9 مليار دولار أمريكي، أي 6.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
خطط الناتو في ظل انسحاب أمريكي محتمل
في المفهوم الاستراتيجي للناتو لعام 2022، حددت الوثيقة هدفاً رئيسياً تمثل في زيادة القوات والمعدات المجهزة مسبقاً في الخطوط الأمامية للحلف على أراضي دوله الأعضاء الشرقية. ووضعت قيادة القوات المشتركة للحلف خططاً إقليمية لتنفيذ حملة عملياتية مشتركة، برية وبحرية وجوية وفضائية وسيبرانية، بمشاركة قيادات برية وبحرية وجوية ولوجستية، مع الاحتفاظ بقوات للاحتياط.
بالنسبة للولايات المتحدة، فرغم غياب بيانات رسمية محددة حول حجم الالتزام العسكري الأمريكي للدفاع عن حلف الناتو في حال الحرب، إلا أن القيادة الأوروبية للقوات الأمريكية EUCOM تشكل أساس الحضور الأمريكي، كما يمكن لقائد القوات الخاصة في أوروبا SACEUR طلب تعزيزات من القوات الأمريكية في الولايات المتحدة. وإلى جانب ذلك، يشمل الالتزام الأمريكي أيضاً قدرات واشنطن الكبيرة في مجال الاستخبارات الاستراتيجية والفضاء العسكري والإلكتروني وترسانتها الكبيرة من الأسلحة النووية.
وتشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS إلى أن إجمالي القوات الأمريكي المحتمل مشاركتها في الحرب قد يصل إلى 128 ألف جندي، ما يشكل فيلقاً كبيراً يضم فرقاً مدرعة ووحدات دعم وتدخل سريع. أما عن سلاح الجو، فيقدر مشاركة ما بين 250 و350 طائرة تكتيكية، وطائرات قاذفة وأخرى للإنذار المبكر المحمول جواً وجمع معلومات الاستخبارات الإلكترونية، فضلاً عن الطائرات المسيرة بمختلف أنواعها.
هذا الثقل الأمريكي الكبير في منظومة الدفاع عن أوروبا سيفرض على دول حلف الناتو تأمين البدائل اللازمة في حال انسحبت القوات الأمريكية من المنطقة، ويشمل ذلك البنى التحتية وفرق ووسائل التدريب والقدرات الإدارية والتنظيمية للقيادة والسيطرة التي توفرها واشنطن في وسط وشرق أوروبا الآن، فضلاً عن العديد من المناصب العسكرية والإدارية العليا التي ستصبح شاغرة في قيادة الناتو والتي يشغلها حاليًا أفراد أمريكيون.
كما ستكون القدرات الاستخبارية الأوروبية أمام تحد كبير، فانسحاب القوات الأمريكية سيرافقه تراجع الدعم المعلوماتي الاستخباري الذي تقدمه لحلف الناتو في أوروبا، مما سيكشف عن ضعف قدرات أوروبا في مجال الاستخبارات الفضائية، والمراقبة والاستطلاع، وسيحد بشكل كبير من قدرتها على رصد المؤشرات المبكرة لأي هجوم روسي وفهم الخطط الروسية أثناء المعركة.
الكلفة المقدرة للانسحاب الأمريكي
إن انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو، أو مجرد تقليص التزاماتها، سيدفع الحلف إلى إعادة صياغة خططه العسكرية للدفاع عن أوروبا، وسيحتاج إلى تحديد أولويات متطلباته في المجالات الحيوية التي يعاني فيها حالياً من ضعف كبير، مع زيادة حجم مخزونات الذخيرة وقطع الغيار والإمدادات اللوجستية الأخرى، مقابل الحد من استنزاف المخزون الحالي بناءً على المدة المفترضة لأي حرب، وزيادة التدريب لرفع كفاءة القوات وتعزيز قدرات الردع.
بعد ذلك، سيصدر الحلف خططاً قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، مع ضرورة تنسيق هذه الخطط بين دول الناتو والاتحاد الأوروبي تفادياً لبناء قوات جديدة لا تتوافق مع خطط الناتو العملياتية.
وتشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الكلفة الإجمالية لاستبدال القدرات الأمريكية المذكورة أعلاه تتراوح بين 226 مليار دولار أمريكي و443 مليار دولار أمريكي، لأنظمة ومنصات الأسلحة الجديدة فقط، دون احتساب المجالات العسكرية الأخرى، مثل: الاستخبارات والفضاء والسيبرانية والقدرات النووية.
ومع احتساب التكاليف الإضافية -والتي تشمل الأفراد والبنية التحتية الداعمة والصيانة وقطع الغيار والتدريب- فستكون الكلفة على الأقل ضعف الأرقام المذكورة أعلاه، أي حوالي تريليون دولار أمريكي، وفقاً لتقديرات المعهد، مما يجعل التحدي الذي يواجه الحكومات الأوروبية أكثر وضوحاً.
خطوات محتملة لمعالجة ضعف القدرات الأوروبية
منذ بداية الحرب في أوكرانيا، رفعت الحكومات الأوروبية ميزانيات الدفاع لديها لتنفيذ خطط الاستثمار الدفاعي الحالية لديها، لكن استبدال المشاركة الأمريكية الحالية في حلف الناتو سيتطلب تمويلاً إضافياً كبيراً كما هو موضح أعلاه، فضلاً عن القيود القانونية التي تعيق القدرة الإنتاجية الحالية لمصانع الدفاع في أوروبا، والتي تتطلب قوانين جديدة تتعلق بالعقود والتمويل والقوى العاملة واللوائح التنظيمية وأمن الإمدادات.
فالشركات الآن لا زالت تنتظر صدور عقود الإنتاج من قِبَل الحكومات، كما تعاني من مشكلات المنافسة مع القطاع الخاص حول سلاسل التوريد واليد العاملة الأجنبية، خاصة وأن عدد خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات الذين يدخلون سوق العمل الأوروبية غير كاف.
مع إضافة أن عقود الشراء في أوروبا تتم حتى الآن على مستوى الدولة الواحدة فحسب، ما يعني أنها غالباً ما تكون عقوداً صغيرة ومحدودة، الأمر الذي لا يحفز شركات الدفاع على تطوير قدراتها الإنتاجية.
في ضوء ذلك، تبرز العديد من الإجراءات كخطوات محتملة يمكن لدول الناتو اللجوء إليها لمعالجة هذه المشكلات نسبياً، ومنها:
- إجراء عقود شراء مشتركة بين الدول، ما يساهم في زيادة الإنتاجية وخفض التكاليف.
- زيادة تمويل شركات الدفاع للاستثمار في القدرة الإنتاجية.
- مبادرات حكومية أو صناعية لتشجيع الشركات غير الدفاعية على دخول القطاع.
- تنسيق أكبر بين اللجان القانونية وقطاع الدفاع.
- تقديم حوافز لطلاب الجامعات لدراسة مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، أو الالتحاق ببرامج التدريب المهني في قطاع الدفاع.
- إجراء إصلاحات لعمليات الشراء، بما في ذلك المتطلبات والشهادات وتعديل لوائح الأعمال.
وربطاً بالمتطلبات والخطط العسكرية في مقابل القدرات الروسية، ستحتاج الحكومات الأوروبية إلى إعطاء الأولوية للاستثمار في الأسلحة القادرة على مهاجمة قدرات روسيا المضادة (مثل دفاعاتها الجوية) وردع قدراتها الهجومية (صواريخ أرض- أرض بعيدة المدى).
في المقابل، ستكون بحاجة إلى شراء المزيد من أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة الضربات الجوية والأرضية الدقيقة، وقدرات الحرب الإلكترونية والقيادة والسيطرة.
لكن سرعة توفير هذه المستلزمات ستعتمد على مدى تعقيد وتطور المعدات، والقدرة الصناعية، خاصة صواريخ الهجوم النووي الأمريكية والمنصات الفضائية وما يتعلق بها من أسلحة ومعدات فرعية، التي يقدر أنها ستحتاج لعقد كامل لاستبدالها، إنما يمكن تقليص هذه المدة شريطة استثمار كبير في القدرات الصناعية والطاقة الإنتاجية وتحويل مصانع القطاع المدني.
عقبات أمام زيادة الإنفاق الدفاعي
منذ بدء الحرب في أوكرانيا، بلغ نمو الإنفاق الدفاعي في أوروبا مستوى قياسياً بنسبة 11.8% في عام 2024، وفقاً للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، مسجلاً ارتفاعاً من 5.2% في عام 2023 و8.2% في عام 2022، ويزداد الضغط لرفع هذه النسبة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مع تزايد المخاوف الأوروبية بشأن التزام الولايات المتحدة كحليف. رافق ذلك مبادرات على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل، بما في ذلك برنامج “إعادة تسليح أوروبا”، أو “الاستعداد لـ 2030”، الذي يسعى إلى جمع ما يصل إلى 800 مليار يورو (حوالي 878 مليار دولار أمريكي).
كما يعمل الاتحاد الأوروبي منذ العام 2023 على تمويل تسريع الصناعات الدفاعية وعقود الشراء، وذلك من خلال قانون دعم إنتاج الذخيرة ASAP، وقانون تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية من خلال المشتريات المشتركة EDIRPA، والتي يفترض تمديدها حتى نهاية العام 2027.
لكن ذلك تحول دونه تحديات كبيرة، إذ يحتاج إلى تقليص تمويل قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية والتخفيف من آثار تغير المناخ، ما قد يشكل أزمة سياسية في الدول الأوروبية التي اعتادت مجتمعاتها على مستوى مرتفع من الرفاهية طوال عقود. ولذلك قد تعمد الحكومات إلى تعديل القواعد المالية للسماح بزيادة الاقتراض والديون، وزيادة الضرائب، وتنفيذ تخفيضات في مجالات أخرى من الإنفاق العام لصالح قطاع الدفاع، أو الحصول على تمويل من القطاع الخاص.
سيكون من الصعب تعويض تراجع الحضور الدفاعي الأمريكي في أوروبا على المدى القصير، ولذلك قد تلجأ دول الناتو لتصنيف هذه الفجوات ضمن سلم الأولويات والتعامل معها وفق ذلك، بناء على قاعدة “الأولى ثم الأولى”، كالتركيز على قدرات استهداف أصول موسكو الاستراتيجية، ومنع القوات الروسية من حرية الحركة، والتفوق على منظومة الاستطلاع والاستهداف بعيد المدى الخاصة بها.
وعلى الجانب السياسي، قد يحاول الساسة الأوروبيون التفاوض على تأجيل أي انسحاب أمريكي، أو جدولته وفق مراحل لكسب مزيد من الوقت.
لقد كرست ولاية ترامب الثانية تراجع الدور الأمريكي كحليف موثوق لأوروبا، فضلاً عن مناطق ثانية تصنفها واشنطن ضمن “دول العالم الثالث”، وجعلت من استراتيجية “أمريكا أولاً” عامل قلق بالغ لحلفاء أمريكا قبل خصومها. ومع تبجح الرئيس الأمريكي مراراً بإنهائه ثماني حروب، تتجلى حقيقة تسكينه للصراعات بما يتوافق مع مصالح أمريكية آنية، ما يؤسس لمرحلة مقبلة قد تتفجر فيها تلك الصراعات تباعاً وتتوسع كأحجار الدومينو، في عالم بات أبعد ما يكون عن عوامل اليقين.
وبينما ركنت الدول الأوروبية للضمانات الأمريكية وحمايتها على مدى عقود، فقلصت قدراتها العسكرية إلى حدها الأدنى وحولت مجتمعاتها إلى مجتمعات استهلاكية اعتادت الرفاهية، لتجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ وجودي تقابله ببنية عسكرية واقتصادية واجتماعية هشة.
كل ذلك يشكل دروساً حية لمن يراقبون هذه الصراعات عن بعد، فشعارات الرفاه والتقدم تتهاوى في لحظة الحقيقة: أن سنن الكون قائمة على التدافع بما يتطلب الاستعداد له.